• ×
10:21 صباحًا , الثلاثاء 22 ربيع الأول 1441 / 19 نوفمبر 2019
اليوم الوطني سجل حافل بالانجازات وتاريخ الفخر والاعتزاز شهادة الدكتوراة التاريخ يعيد نفسه في الخليج غذاؤكم ترعاه مستودعات رديئة أن نحتفل في الدرعية! تحت المجهر يوم الوفاء .. لقادة العطاء المال الصالح العلاقات بين الإنطواء والإنتقام -صالحة الزهراني ملتقى الإشراف التربوي بسراة عبيدة ... وسم على أديم ( التطوير )
علي سعد الموسى

ناصر

علي سعد الموسى

 0  0  127
زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط
لما يقرب من اليومين، ظل وسم (اختار مدينة تعيش بها للأبد) متماسكاً وبطيف واسع من الخيارات. وحين تقرؤها ستشعر حتماً أن في السكنى واختيار المكان في بعض الأحيان ما لا يمكن استيعابه وهضمه. وبالنسبة لي فقد أجبت «هي نفسي دون ضغوط الحياة وإملاءاتها القاسية فلا توجد على الأرض مدينة أفضل من نفس متصالحة، ولكن «وكم لكن هذه مخيفة». ضحكت كثيراً عند رد جميل على اختياري وهو يقول «لازم يتفلسف» نعم، لم يعد يربطني بالأماكن سوى بعض الحنين ولوعة النوستالجيا. لم تعد الدنيا في عيني كرة أرضية بل باتت مسطحة. توارى إغراء الفتنة وانقرضت رحلة الاكتشاف. طفت المدن من طوكيو إلى سياتل. وقفت على الأطلسي والهادي من الجانبين. بكل الاختصار: لم يعد هناك ما يبهج، ولهذا سأزداد إصراراً على أن النفس المتصالحة مع ذاتها هي المدينة الفاضلة. الأماكن والمدن مجرد اختراع تكميلي.
سأرسم الصورة من تقاسيم وجه مختلف. لأربعين سنة مكتملة، عمل ناصر موظفاً بسيطاً جداً في إحدى دوائر مدينة جدة. ومنذ ولادة النقل الجماعي واظب على السفر إلى قريته في «عالية بيش» ظهر كل يوم أخير من الدوام. يركب عائداً إلى جدة منتصف مساء نهاية إجازة الأسبوع ليصل إلى باب المكتب صباحا وعند الثامنة. عرفت هذا النبيل البسيط عن طريق مديره بالعمل وعرفت معلومة ترحاله من الطرفين. وحين زرته مساء الجمعة في قريته كان يؤكد لي: فعلت هذا الترحال على الأقل في آخر عشرين سنة، ولا أتذكر أنني غبت عن قريتي إجازة أسبوع واحدة. يا إلهي... فحين تحسبها بالتقريب ستكتشف أنه نام بحافلة النقل الجماعي لما يقرب من ألف ليلة من حياته، ومثلها سحابة ألفي نهار أخرى في رحلة الذهاب. تقاعد ناصر وبالطبع فلم يتزوج. وحين تقرأ تقاسيم وجهه الشريف، ستشعر حتماً أنه ذات شخصية «اللامنتمي» في الكتاب الشهير لكولن ولسون. هو ذات إدوارد سعيد في المقدمة الحزينة لكتابه «خارج المكان». وحتما سيأخذك الخيال: ماذا لو أن ناصر كان معنا في هذا الوسم؟ وهل سيختار القرية أو المدينة؟ والجواب لا هذه ولا تلك: إنه الباص الذي قضى على مقاعده في المجموع ما لا يقل عن ثلاث سنوات مكتملة من عمره. نام فيه ألف ليلة واستلقى على مقاعده ألف نهار. ماذا لو كتب ناصر قصص آلاف الوجوه التي كانت حوله في المقعد المجاور لألفي رحلة في مشوار العمر. هو الوجه الثابت وكلهم، وبالآلاف هم المؤقتون الزائلون. لكنه اللامنتمي وهم الثابتون في ظهر ذات الورقة من نفس الرواية. أربعون عاماً وهو يبحث عن المكان. تائه بين وظيفة الغربة وغربة القرية. أدعو له بنفس متصالحة لأنها الملاذ الأخير الذي يسكنه هذا النبيل. أبسط وأنقى وأتقى من عرفت في الحياة من الوجوه المؤقتة.


 0  0  127

المحتوى السابق

المحتوى التالي

التعليقات ( 0 )

للمشاركة والمتابعة

رأي كاتب

أكثر

تغريدات صحيفة القمة الكترونية