• ×
06:38 صباحًا , الجمعة 16 ربيع الثاني 1441 / 13 ديسمبر 2019
عندما تفقد الإنسانية ! اليوم الوطني سجل حافل بالانجازات وتاريخ الفخر والاعتزاز شهادة الدكتوراة التاريخ يعيد نفسه في الخليج غذاؤكم ترعاه مستودعات رديئة أن نحتفل في الدرعية! تحت المجهر يوم الوفاء .. لقادة العطاء المال الصالح العلاقات بين الإنطواء والإنتقام -صالحة الزهراني
سارة مطر

الوافد الإثيوبي والعنصرية الجاهلية

سارة مطر

 0  0  135
زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط
عالم التناقضات لا يمكن إلا أن تجده في أوساط مجتمعاتنا العربية، ينمو تحت ظفر أصابعنا منذ أن نأتي إلى هذا العالم، يعيش معنا حتى نهاية عمرنا، السلوك الذي يتعين علينا التقيد به سلميا مع الآخرين، يتغير تماما ويتحول إلى حزمة من بعض الدناءة الأخلاقية والعدوانية والأنانية الكئيبة، تلك التي لا يمكن أن تنظر لها إلا من طرف أنفك. شهد تاريخنا العربي حكايات وقصصا طويلة وقصيرة، كلها تدور حول حرب الإنسان مع ذاته وقيمه، وحربه البسوس مع هويته الخاصة، متوغلا دوما في الانتصار لبني جنسه ومذهبه وطائفته وابن قبيلته، لذا لا تتعجب حينما تشهد بنفسك ما يحدث اليوم، حينما تتراكم التحولات الأخلاقية في المجتمع، وحينما يتحول الإنسان فجأة إلى وحش فريد من نوعه ما إن يشعر بأن هناك من يمكنه ولو ببصره أن يتجاوز سور بيته، أن يطل على دهليز البيت، أو حتى أن يشتم رائحة مطبخه، كل شيء لديه قابل للنقد إلا أن تكون ناقدا على تصرفاته أو أفكاره أو ميوله الرياضية، المجتمع الذي بدا منغلقا إلى حد كبير وسمح لنفسه بعد ثورة التقنية بأن يظهر علنا أمام الآخرين بتجرد، يمكنه أن يحمل السكين أمام وجهك من دون خوف، وحجته أنه يدافع عن فروض النخوة التي لم تزل في كريات دمه وفي خلايا دماغه، يتحول إلى النقيض لاحقا شديد الحساسية متطرفا إلى أبعد ما يمكن القول به، زاعق الصوت متفرد بعضلات تراثه العنصري، حينما يكون الأمر بعيدا عن داره وعشيرته وبناته وزوجه، لن يدعك تتسلى بحريتك، ولن يترك لك الحبل على الغارب، طالما كان في مشهد المتفرج فقط.
لم أشهد بؤسا أخلاقيا كما لاحظته قبل أيام، حينما وضعت الفيديو المتستر حول القيم والدفاع عن النفس، لكن القراءة الصحيحة لمقطع الفيديو هو عبارة عن سوء استخدام السلطة والقوة، متذكرة حديث رسولنا الكريم، محمد صلى الله عليه وسلم، حينما قال «ليس الشديد بالصرعة، إنما الشديد الذي يملك نفسه عن الغضب»، الفيديو كان عبارة عن مشهد دموي بشع ظهر فيه مواطن سعودي وهو يعتدي على وافد إثيوبي الجنسية بالضرب والإهانة بعصا حديدية بعد أن تم تقييده بالحبال، كنت قد نشرته بعد أن علمت بخبر القبض على المواطن، وكنت متأكدة أن ما قام به المعتدي لن يمر مرور الكرام، وأن الجهات الأمنية حتما ستلقي القبض عليه، وقد بيّن الناطق الإعلامي أنه بمناقشة أطراف القضية اتضح وقوع خلاف سابق بين المعتدى عليه ووالد المعتدي نتج عنه إصابة الوالد بكسر في اليد من جراء اعتداء الوافد عليه.
الغريب في الموضوع ليس فقط تصوير المعتدي على الوافد، الذي لا أعلم ما السبب في قيامه بذلك، هل هي المتعة في إظهار القوة أم الشعور بالرضا لأخذ حقه من الوافد الذي ثبت أنه لا يقيم بصورة شرعية، أم لربما هي نشوة النصر ورغبة المعتدي بأن تعرف أسرته ما قام به جراء اعتداء الإثيوبي على والده، المدهش في الأمر كله أن المتابعين أشادوا بتصرف المعتدي، وبأنه يمتلك كامل الحق بأن يفعل به ما يشاء، ولو كانوا في مثل موقفه لفعلوا أكثر من ذلك، وبالتأكيد أنهم كانوا رافضين تماما أن يتم القبض عليه ومحاسبته على ما قام به، وبعض المتابعين أكدوا أنني لو كنت في مكانه لفعلت أكثر مما فعله المواطن المتوحش، وهنا يظهر الفكر المتحجر المقيد بالصور المهزوزة، والتي يتضح من خلالها مدى تشبع الكثيرين بتاريخ العصر الجاهلي الذي كان ينتصر للون والقبيلة والعشيرة، ولتذهب بقية الأجناس الأخرى إلى الجحيم، كما وأنك عزيزي القارئ ستلحظ بأن البعض يعتقد بأنه يمكن أن يكون ناطقا بلسانك وملما بتفكيرك، لذا فلا بأس بما قام به المواطن الذي كان تصرفه بعيدا عن مفهوم الدين الإسلامي الحنيف، ولو كان المشهد الذي تم تداوله بشكل لافت عبر مختلف قنوات التواصل الاجتماعي، لرجل أميركي أو أوروبي لرأيت التناقض الحقيقي والفج في التعليقات التي ستتغير كُلياً.
كان على الجهات المختصة أن تقوم بالقبض على المواطن، حتى لا تتفاقم مثل هذه التصرفات اللاأخلاقية وتمدد ويصبح تعذيب أي وافد أو عاملة منزلية على سبيل المثال أمرا مشرعا ومسموحا القيام به، لكونه يدخل في نطاق أخذ الحق، متناسين بأن هناك قانونا وقضاء في الدولة، ستحكم له بما قرفته يد الوافد. من المدهش أن تجد أن المواطنين أنفسهم يتحدثون بثقة مطلقة ومتعصبة، وهم يدافعون بها عن تصرف بعيد عن القيم التي يصرخون بها لو ظهر أحد مشاهير في «السوشل ميديا»، بمشهد مثير للانتباه.
ستدرك الآن معنى العنصرية الجاهلية، حينما تتضح أمامك مدى قدسية البعض وتمجيدهم للعنف تجاه من هو أضعف منهم.


 0  0  135

التعليقات ( 0 )

للمشاركة والمتابعة

رأي كاتب

أكثر

تغريدات صحيفة القمة الكترونية