• ×
07:27 صباحًا , السبت 17 ربيع الثاني 1441 / 14 ديسمبر 2019
عندما تفقد الإنسانية ! اليوم الوطني سجل حافل بالانجازات وتاريخ الفخر والاعتزاز شهادة الدكتوراة التاريخ يعيد نفسه في الخليج غذاؤكم ترعاه مستودعات رديئة أن نحتفل في الدرعية! تحت المجهر يوم الوفاء .. لقادة العطاء المال الصالح العلاقات بين الإنطواء والإنتقام -صالحة الزهراني
علي سعد الموسى

جازان بين زمنين

علي سعد الموسى

 0  0  138
زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط
في رحلة (الباص) القصيرة ما بين جازان إلى مدينتها الاقتصادية الواعدة، كان أستاذنا الكبير، يوسف الكويليت، يستعرض فوارق الصورة وبون الذكريات وهو يعود إلى هذه المنطقة الغالية بعد أربع وخمسين سنة من آخر غارة وزيارة.
كنت أنظر إلى وجهه الأبيض الكريم وهو يرمي بالبصر شارداً إلى أطلال ألبومه القديم ذات زمن تولى يوم جاء المكان مع بضعة نفر شكلوا أول بعثة إحصائية يقول «.. كنا لا نجد في قرى العشش إلا النساء والأطفال لأن نهار الرجال كان وراء المواشي وبين حقول الذرة». كنا نصطاد الغزلان البرية في هذا الخبت التهامي الواسع الذي كان مسرحا مفتوحا لأشرس قاتلين: «الحمى والثعابين...».
نسيت أن أقول لأستاذنا الكبير: لقد مكثت جازان بأكملها على ذات أطلال ألبومك القديم، ومن بعد رحلتك، لأكثر من أربعين سنة. لم تكن جازان ولم يتغير جلدها الخشبي البائس إلا يوم الزيارة التاريخية لراحلنا الضخم، عبدالله بن عبدالعزيز، حين وقف على المنصة قائلاً بالحرف الواحد: لم تأخذ جازان حقها من التنمية، كان ذلك اعترافاً صريحا ونادراً ما يقوله حاكم أو رجل دولة على وجه الأرض.
نسيت أن أقول للأخ الكبير يوسف الكويليت، إن الوفد النخبوي الضخم الذي رافق عبدالله بن عبدالعزيز إلى جازان لم يجد من السكنى والنزل إلا الشقق المفروشة المهترئة المتناثرة بكل الفقر على أديم هذه المدينة، اليوم تحتفل جازان بألف غرفة فندقية لأشهر ماركات النجوم الخمسة.
نسيت أن أقول لأستاذنا إن الحمى التي شكا منها قبل أكثر من خمسين سنة لم تغادر هذا المكان إلا قبل سنين عشر، وكل ما فعلته ليس إلا تغيير الاسم إلى براءة اختراع الوادي المتصدع.
وقبل تلك الزيارة التاريخية، ظلت جازان أسيرة لكل شيء وكانت تفاخر عبثا أنها مشتل الشاعر والروائي والمثقف، نسيت أن هذه المهن ليست سوى مدخل للبؤس والفقر في زمن الطبيب والمهندس.
نسيت أن أقول لأستاذنا الكبير إن الهدية الأولى في التاريخ التنموي الحديث المبهر لهذا المكان لم يكن إلا أميرها محمد بن ناصر بن عبدالعزيز، جاء إليها بمغامرة الضابط العسكري الذي ابتدأ بخط في الرمال وما أكثر هذه الرمال من حوله يوم وصوله الأول، وفي أحيان كثيرة أقول: لم يكن أحد غيره سيقبل بمهمة انتحار ولا أحد سواه سيقبل يومها الدخول إلى معركة تبدو كل شواهدها وأركانها مكتملة لهزيمة مريعة.
هذا الأمير، ووحده، قصة انتصار إداري وتنموي فريدة وكل ما أخشاه أنه لم يكن يحمل حين جاء رفاهية الكاميرا كي يوثق لكل صابر طموح قصة هذا المكان ما بين زمنين، شكراً له من الأعماق وإن كنت أعرف أنه يرفض الشكر على مهمة قبلها طائعاً وهو يعرف كل التفاصيل.


 0  0  138

التعليقات ( 0 )

للمشاركة والمتابعة

رأي كاتب

أكثر

تغريدات صحيفة القمة الكترونية