• ×
06:29 صباحًا , السبت 10 ربيع الثاني 1441 / 7 ديسمبر 2019
عندما تفقد الإنسانية ! اليوم الوطني سجل حافل بالانجازات وتاريخ الفخر والاعتزاز شهادة الدكتوراة التاريخ يعيد نفسه في الخليج غذاؤكم ترعاه مستودعات رديئة أن نحتفل في الدرعية! تحت المجهر يوم الوفاء .. لقادة العطاء المال الصالح العلاقات بين الإنطواء والإنتقام -صالحة الزهراني
علي سعد الموسى

من قتل فينا روح الإنسان

علي سعد الموسى

 0  0  150
زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط
هي أحد مشاهد القصص التي ستبقى طويلاً ويصعب أن ترحل بسهولة من ركن الأحزان بالذاكرة: كان المطر ينبت من الأرض مثل الشلال الهادر مثلما كنت أحس بأن السحب من فوق قد ثقبت بوابل من الصواريخ.
كنت صدفة بالشارع الواسع على السور الغربي لمشفى المدينة وأنا ألمح وابل الرصاص المطري الهائل يحاصر هاتين (العباءتين) في هذا العراء المخيف. وقفت. كانتا تحاولان جمع ما استطاعتا من ركام أسرة منتجة.
كانت الأم تضع قرصان الخبز تحت عباءة غارقة في الوحل في ساعة ذابت فيها الصخور، ويأبى الفقر والحاجة أن يذوب الخبز، ليس من المروءة أن أهرب بعد أن امتلأت عيناي بدقيقة هذه المأساة لأم وابنتها، وليس من الشجاعة في المقابل أن تغامر لنجدة نساء في شكوك هذا المجتمع.
يا إلهي كيف وصلنا إلى هذا الانحدار الأخلاقي الذي تكون فيه نجدة أم غريبة أشبه بالمغامرة. رميت شماغي ونزلت، كنت حولهما وكأننا نسبح فى بحيرة مثلجة، وحدنا نحن الثلاثة. كان الرعب من نزولي إليهما أضعاف رعب المطر التاريخي، أفتح باب سيارتي الخلفي كانت الأم وبنظرة الإنسان تهم أن تركب السيارة لولا صراخ ابنتها لا . لا . لا . يا أمي نحن لا نعرفه.
ترتبك الأم ما بين الثقة وما بين الخوف. تعود للخلف تحت شلالات المطر، تسحبها ابنتها إلى مكان بعيدا يقاومان المطر بالحركة ويقاومان إصراري بالصراخ.
كنت معهما أشد عقوبة وهلعا من هذه الدقائق المخيفة العاصفة، هدأت هذه الحمامة الصغرى بعد أن اطمأنت لقولي (يا بنتي) إليها ما أظنه ألف مرة.
فجأة وضعت مفتاح سيارتي في يد الأم: اركبا واقفلا عليكما واتركاني هنا بالخارج حتى إشعار جديد من المطر، هي دقيقة واحدة ثم دبت فيهما شفقة الإنسان نفسه التي كانت بداخلي قبل أن نتبادل الأماكن، فتحت الأم الباب لتقول لي اركب السيارة، كانت تقبض على المفتاح بشدة وهي تقول (ترى بنتي في وجه الله ثم مربوطة في كل شعرة من لحية أبيك)، مع هذه الجملة المؤلمة شعرت أن جلدي ينسلخ من فوق كل عضلة أو عظم من جسدي النحيل.
شعرت أن شعر رأسي -وكل شعرة فيه- يتحول إلى صاعق كهربائي في الطريق إلى الحي الشعبي بقلب المدينة، كنت أجتهد كي لا أغلط في متر واحد عن أقصر طريق حتى لا تدب فيهما مشاعر الخوف، كانت البنت تقول لأمها بصوت مرتفع (ماذا لو سحبنا السيل مع هذا الغريب وماذا سنقول للناس)، كأنها تتحدث عن الفضيحة بعد الموت.
وصلنا المنزل وانتهت القصة، لكن القصة الكبرى هي هذا الانهيار الأخلاقي الذي قتل فينا كل لحظة مروءة، وكل عامل ثقة، كنت معهن مثل الابن مع الأم، وأيضا في عمر الأب مع هذه البنت، كانت لحية والدي -رحمه الله- أمامي في كل ثانية من هذا المشوار القصير، من وقع جملة الأم التي لن أنساها ما تبقى لي من الحياة.


 0  0  150

المحتوى السابق

المحتوى التالي

التعليقات ( 0 )

للمشاركة والمتابعة

رأي كاتب

أكثر

تغريدات صحيفة القمة الكترونية